ابن عجيبة

240

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

للروح من الجهل والإنكار ، فمن سبقت له العناية آمن بهم ، وصدقهم ، واستسلم بكليته إليهم ، فحصل له الوصول ، وبلغ كل المأمول ، ومن سبق له الحرمان لم يحصل له بهم إيمان ، وبقي دائما في قلبه حيران . وما وقع هذا الإنكار في الغالب إلا من أهل الرئاسة والجاه ، أو من كان عبدا لدنياه وهواه ، بغيا وحسدا منهم ، فهدى اللّه الذين آمنوا - وهم أهل الفطرة والنية - لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فحصل لهم التصديق ، ووصلوا إلى عين التحقيق ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو طريق الوصول إلى الحضرة القدسية التي كانت مقرا للأرواح الزكية ، منها جاءت وإليها عادت . وفي ذلك يقول ابن البنا رضي اللّه عنه : وهذه الحقيقة النّفسيّة * موصولة بالحضرة القدسيّة وإنّما يعوقها الموضوع * ومن هنا يبتدأ الطّلوع ولمّا كانت المحبة والهداية إلى أسبابها مقرونتين بالبلاء ذكره الحق تعالى بإثر الهداية ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 214 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) قلت : « أم » منقطعة بمعنى بل ، وتتضمن استفهاما إنكاريا ، و « حسب » تتعدى إلى مفعولين ، أي : أظننتم دخول الجنة حاصلا من غير أن يأتيكم ؟ . ( لما ) أصلها ( لم ) زيدت عليها « ما » : وهي تدل على توقع منفيها بخلاف لم . و ( حتى يقول ) يصح في النصب بتقدير ( أن ) ؛ لأن الزلزلة متقدمة على قول الرسول ، والرفع على حكاية الحال ، أي : وزلزلوا حتى حالتهم حينئذ أن الرسول ومن معه يقولون كذا وكذا . وفائدة الحكاية : فرض ما كان واقعا في الزمان الماضي واقعا في هذا الزمان ، تصورا لتلك الحال العجيبة ، واستحضارا لصورتها في مشاهدة السامع ، وإنما وجب رفعه عند إرادة الحال ؛ لأن نصبه يؤدى إلى تقدير ( أن ) ، وهي للاستقبال ، والحال ينافيه ، ويصح في موضع « حتى » الداخلة على الحال الفاء السببية . يقول الحق جل جلاله للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين ، تسلية لهم وتشجيعا لقلوبهم : أظننتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من الأنبياء وأممهم ، فقد مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ في أموالهم بالغصب والنهب والموت وَالضَّرَّاءُ في أبدانهم بالقتل في الحرب والمرض وأنواع البلاء ، وَزُلْزِلُوا أي : ضربوا بالمحن والشدائد ، وطال عليهم البلاء ، وتأخر عنهم النصر ، حتى أفضى بهم الحال إلى أن قالوا : مَتى يأتينا نَصْرُ اللَّهِ ؟ استبطاء لمجيئه مع شدة البلاء .